أبو البركات بن الأنباري
430
البيان في غريب اعراب القرآن
أما قولهم : إن الفائدة ، إنما تحصل مع النصب لا مع الرفع ، لأن النصب لا يلغى فيه الظرف بخلاف الرفع ، وحمل الكلام على ما فيه فائدة أولى . فنقول هذا لا يوجب منع الجواز ، لأن قصارى ما يكون مانعا التكرار ، والتكرار لا يوجب منع الجواز ، لأن من كلامهم أن يؤكد اللفظ بتكريره ، وإن حصلت الفائدة بالأول كقولك : ضربت زيدا زيدا . وأكرمت عمرا عمرا . فيكون الثاني توكيدا للأول ، وإن كان قد وقعت الفائدة ، ولا يقال : إن ذلك لا يجوز لحصول الفائدة بالأول ، وكون التأكيد جائزا في كلامهم مستعمل في لغتهم على هذا النحو لا يمكن إنكاره بحال ، فلا يجوز أن يكون مانعا . وأما قولهم في الوجه الثاني أنه يؤدى إلى أن يتقدم المضمر على المظهر ، فنقول : هذا التقديم في تقدير التأخير ، وإذا كان الضمير في تقدير التأخير ، لم يكن مانعا من وجود التقديم . كقوله تعالى : ( فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ) « 1 » فالهاء في ( نفسه ) تعود إلى ( موسى ) ، وإن كان مؤخرا في اللفظ عن الضمير ، إلا أنه لما كان ( موسى ) في تقدير التقديم ، والضمير في تقدير التأخير ، كان ذلك جائزا ، فكذلك ههنا والشواهد على هذا النحو كثيرة جدا ، وقد بينا ذلك مستوفى في كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف « 2 » . قوله تعالى : « لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً » ( 21 ) . خاشعا متصدعا منصوبان على الحال من الهاء في ( رأيته ) ، لأن ( رأيت ) من رؤية البصر . قوله تعالى : « هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ » ( 24 ) .
--> ( 1 ) 67 سورة طه . ( 2 ) المسألة 33 الإنصاف 1 - 164 .